ابن ميثم البحراني
320
شرح نهج البلاغة
رابعا فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أوّلا فيوظَّف عليها الوظايف ، ويأمرها بسلوك طريق الحقّ ، ويرشدها إليها ، ويحرّم عليها سلوك غيرها كما يشترط التاجر على شريكه . الثانية : أن لا يغفل عن مراقبتها لحظة فلحظة عند خوضها في الأعمال ويلاحظها بالعين الكالئة وإلى مقام المراقبة الإشارة بقوله تعالى « وَالَّذِينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ والَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ » ( 1 ) وقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أعبد اللَّه كأنّك تراه ، وقد سبق بيان حقيقة المراقبة ، ولا بدّ منها فإنّ الإنسان لو غفل عن نفسه وأهملها لم ير منها إلَّا الخيانة وتضييع رأس المال كالعبد الخائن إذا انفرد بمال سيّده . الثالثة : ثمّ بعد الفراغ من العمل ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط فإنّ هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى فتدقيق الحساب في هذا أهمّ من التدقيق في أرباح الدنيا لحقارتها بالنسبة إلى نعيم الآخرة فلا ينبغي أن يهمل من مناقشتها في ذرّة من حركاتها وسكناتها وخطراتها ولحظاتها فإنّ كلّ نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بما كنزه من كنوز الآخرة لا يتناهى . قالوا : وينبغي للإنسان أن يخلو عقيب فريضة كلّ صبح مع نفسه بالوصيّة ويقول : أي نفس ليس لي بضاعة إلَّا العمر ومهما فنى فقد فنى رأس مالي ، ووقع اليأس من التجارة وطلب الربح ، وهذا يوم جديد قد أمهلني اللَّه فيه وهو صاحب البضاعة وربّها ولو توفّاني لقلت : ربّ ارجعون لعلَّى أعمل صالحا فيما تركت : فاحسبي إنّك رددت فإيّاك وتضييع هذا اليوم والغفلة فيه . واعلمي أنّ اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة ، وقد ورد في الخبر أنّه يفتح للعبد في كلّ يوم وليلة أربع وعشرون خزانة مصفوفة فيفتح لها فيها خزانة فيراها مملوّة نورا من حسناته الَّتي عملها في تلك الساعة فينال من الفرح والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار ما لو قسّم على أهل النار لأغناهم عن الإحساس بآلامها ، ويفتح له خزانة أخرى فيراها سوداء مظلمة يفوح نتنها ويغشاهم ظلامها وهى الساعة الَّتي عصا اللَّه تعالى فيها فينا له من الهول والفزع ما لو قسمّ على أهل الجنّة لتغصّ عليهم نعيمها ، ويفتح له خزانة أخرى فارغة
--> ( 1 ) 70 - 32